أحمد ايبش
163
دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى
فخرج إليه صاحب الدّير ، وهو شيخ كبير هرم ، فوقف بين يديه ودعا له . واستأذنه في أن يأتيه بشيء من طعام الدّيارات ، فأذن له ، فأتاه بأطعمة نظاف ، وإدام في نهاية الحسن والطّيب . فأكل منها أكثر أكل ، وأمره بالجلوس ، فجلس معه يحدّثه ، وهو يشرب . إلى أن جرى ذكر بني أميّة ، فقال له الرّشيد : هل نزل بك أحد منهم ؟ قال : نعم ، نزل بي الوليد بن يزيد ، وأخوه الغمر ، فجلسا في هذا الموضع ، فأكلا وشربا وغنّيا . فلمّا دبّ فيهما السّكر ، وثب الوليد إلى ذلك الجرن ، فملأه وشربه ، وملأه وسقى أخاه الغمر . فما زالا يتعاطيانه حتى سكرا ، وملآه لي دراهم . فنظر إليه الرّشيد ، فإذا هو عظيم لا يقدر على أن يقلّه ، ولا يقدر على أن يشرب ملأه . فقال : أبى بنو أميّة إلا أن يسبقوا إلى اللّذّات سبقا لا يجاريهم أحد فيه . ثم أمر برفع النّبيذ ، وركب من وقته . * * * قلت : والنّاس في اختلاف أين كان دير مرّان . فمن قائل إنه كان بمشارق السّفح ، نواحي برزة . والأكثر على أنه كان بمغاربه ، وأن مكانه الآن المدرسة المعظّميّة « 1 » . وأما الذي كان بمشارق السّفح ، فهو دير السّائمة المسمّى دير صليبا . وقد ذكرناه . ( مسالك الأبصار ، 1 : 353 - 356 )
--> ( 1 ) ذكر المؤرّخ الدمشقي أبو شامة المقدسي بأواسط القرن السابع ( ذيل الرّوضتين ، 200 ) : « المقبرة المعظّميّة بدير مرّان » . رغم أن المفترض أن المدرسة المعظّميّة كانت تحت دير سمعان وليس مرّان . فالمتعارف عليه لدى الباحثين بآثار دمشق أن دير مرّان القديم كان يقع على إحدى التّلاع الغربية بقاسيون عند عقبة دمّر ، تحت القمّة التي قامت عليها قبّة السيّار . وفي مفهوم عصرنا إلى الجنوب الغربي من ساحة آخر الخط ، عند موقع قصر تشرين ، بأعلى حديقة تشرين . وكذا أثبته دهمان في مخططه للصّالحية . وراجع قول العمري المتقدّم : ومكانه الآن من المدرسة المعظّمية إلى قريب عقبة دمّر .